متابعات | ملفات | تحقيقات | شؤون عالمية | رياضة | مقالات | حوارات | كاريكاتير | كلمة حق |

Share on Google+

عدد الأسبوع

ملفات ساخنة

طائرة تجسس صامتة بدون طيار

هذه الدول تنشر التشيّع في الجزائر !

هل خطّط بومدين لاغتيال ملك المغرب؟

استفتاء

كيف تقيّم نتائج الربيع العربي؟

ـ دمّر عدة بلدان عربية

ـ حقق نتائج رائعة

ـ نتائجه تنقسم إلى سلبية وأخرى إيجابية

الشيخ محمد الغزالي في الجزائر

الشيخ محمد الغزالي في الجزائر

استقر بها خمس سنوات الشيخ محمد الغزالي في الجزائر   بقلم: الأستاذ الدكتور مولود عويمر   زار الشيخ محمد الغزالي خلال مسيرته الفكرية الثرية، ومشواره الدعوي، دولاً إسلامية كثيرة منها الجزائر التي استقر بها خمس سنوات (1984-1989)، عمل فيها أستاذاً في الجامعة الجزائرية، وساهم بجهد كبير في ترشيد النشاط الفكري، والدعوي فيها. وكان أكثر العلماء والمفكرين حضوراً في الساحة الثقافية، وتأثيراً في الجماهير.   ذكرياته عن الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: تعرّف الشيخ محمد الغزالي على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ونشاطها الإصلاحي في الجزائر عن طريق الفضيل الورتلاني الذي كان زميلاً له في الدراسة في الأزهر. ولما لجأ الشيخ البشير الإبراهيمي رئيس الجمعية إلى القاهرة في عام 1952، التقاه الغزالي للمرة الأولى في المركز العام للإخوان المسلمين حيث ألقى الإبراهيمي محاضرة عن التواصل بين المغرب والمشرق. وكانت لكلمات الشيخ الإبراهيمي "دوي بعيد المدى، وكان تمكنه من الأدب العربي بارزاً في أسلوب الأداء وطريقة الإلقاء، والحق أن الرجل رزق بياناً ساحراً، وتأنقاً في العبارة يذكرنا بأدباء العربية في أزهى عصورها ..." وحضر الغزالي عدة مرات مجالس الإمام الإبراهيمي في العاصمة المصرية، وتبادل معه أطراف الحديث في مواضيع مختلفة. ووصف الشيخ الغزالي هذه الجلسات بـ "مصدر متعة أدبية وعلمية تجعل أدباء القاهرة وعلماءها يهرعون إليه ويتزاحمون عليه؟؟". واكتشف فيه أيضاً عالماً بالفقه والأصول والأحكام، ويقول في هذا الصدد: "ومن الخطأ تصور أن الشيخ الكبير كان خطيباً ثائراً وحسب ... لقد كان فقيهًا ذكي الفكرة بعيد النظرة". وهذا ما دفع الغزالي إلى "الالتفاف به والاستمداد منه". ويذكر الغزالي على سبيل المثال أن الإبراهيمي هو صاحب فكرة توزيع ذبائح الحجاج خارج الحرم، وإرسالها إلى باقي البلدان الإسلامية، التي انتشر فيها الفقر، والجوع، والجفاف، ليستفيد منها فقراء المسلمين. وعندما اندلعت الثورة الجزائرية في نوفمبر 1954، كان الغزالي مسؤولاً في وزارة الأوقاف المصرية، ولم يتردد في فتح المساجد لرجال جبهة التحرير الوطنية لتكون منبراً للدعاية للثورة التي آمن بشرعيتها، وتفاءل بنصرها القريب، فيقول عن المجاهدين الجزائريين: "كانت تضحياتهم سيلاً مواراً بالدماء والأشلاء، حتى تأذن الله بالفرج، وانكسرت القيود، وعادت صيحات التكبير تنبعث من المساجد التي غلقت".   في رحاب جامعة الأمير عبد القادر: فتحت جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة أبوابها في عام 1984. واستدعى الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد الشيخ الغزالي الذي تعرف إليه خلال ملتقيات الفكر الإسلامي السابقة، وعيّنه رئيساً للمجلس العلمي للجامعة. يقول الغزالي عن لقائه الأول مع الرئيس الشاذلي: "طلب مني بصراحة أن أعاونه في بناء جامعة لكي تكون أزهراً في الجزائر تؤدي دور الأزهر في مصر وفي العالم الإسلامي كله لأن موقع الجزائر ومركزها يجعلانها قادرة على حماية الثقافة الإسلامية ونشرها". واعتبر الرئيس الشاذلي الشيخ الغزالي ضيفه الخاص طوال مدة إقامته في الجزائر، فوضع في خدمته حارساً، وسائقًا خاصاً له. وتعتبر هذه الصلة المميّزة بين الرجلين، نموذجاً نادراً للعلاقة بين العالِم والحاكِم في حاضر العالم الإسلامي. عمل الشيخ الغزالي رئيساً للمجلس العلمي للجامعة، وساهم في وضع البرامج، ورسم السياسة العلمية لها، ودرّس فقه الدعوة والتفسير وعلوم القرآن. وكان يحضر محاضراته الطلبة والجماهير التي تفد من كل نواحي قسنطينة. وقد جمع بعضا من دروسه، ونشرها في كتاب بعنوان "المحاور الخمسة للقرآن الكريم." وبدأت الصحف العربية والإسلامية تهتم بهذه الجامعة الجزائرية، وتخصص لها صفحات وتحقيقات استطلاعية. وعمل تلاميذ الغزالي في التعليم، وحقل الدعوة، والصحافة. ومنهم من غادر الجزائر لمواصلة دراساته العليا في الجامعات الإسلامية، بالمشرق العربي، والجامعة الإسلامية بماليزيا، على وجه الخصوص. وقام أحدهم بتحضير رسالة جامعية بعنوان "الشيخ الغزالي مفكرا وداعية"، وهي من أوائل الدراسات الجامعية التي خصصت له. وكان نشاط الغزالي أكثر وأوسع خارج الجامعة، كالمشاركة في الملتقيات الفكرية، وإعطاء الدروس في المساجد، وإلقاء المحاضرات في المراكز الثقافية، والحضور في وسائل الإعلام المختلفة، وهذا ما سوف نتطرق إليه في الأسطر التالية:   حديث الاثنين: قدَّم الشيخ الغزالي كل يوم اثنين، حديثاً دينياً قبل نشرة الأخبار المسائية، كان يدوم حوالي ربع ساعة، ويتحول في شهر رمضان إلى حديث يومي قبل موعد أذان الإفطار، يفسر فيه الشيخ الغزالي آيات قرآنية. كانت هذه الحصة من أنجح البرامج التي يقدمها التلفاز الجزائري. وكان الكثير يسجلها، ويعيد بثها في الحفلات الدينية، وخلال النشاطات الثقافية، خاصة داخل الجامعات، والأحياء الطلابية. وكان حديث الاثنين يتناول مختلف المواضيع التي تمس الدين، وحياة الناس، بأسلوب شيّق، وطريقة جذابة، وكان الشيخ الغزالي يسعى من خلال هذه الدروس، لمحاربة كل أنواع التطرف التي بدأت ملامحها تظهر على الساحة السياسية، والدينية في الجزائر. وتحدث في هذه الحصة الأسبوعية عن عدد من المواضيع الحساسة التي أثارها فيما بعد في كتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث". وهو كتاب ألفه الشيخ الغزالي في الجزائر بتكليف من المعهد العالمي للفكر الإسلامي. وكما شارك الشيخ الغزالي في حصة "رأي الدين والشريعة"، التي كان يقدمها التلفاز الجزائري مرة كل أسبوع، وينشطها الدكتور عمار الطالبي، رئيس جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية.   الملتقيات السنوية للفكر الإسلامي: نظمت وزارة الشؤون الدينية الجزائرية منذ عام 1968 ملتقي دولياً للفكر الإسلامي يحضره كل سنة علماء من كل جهات العالم. وقد شارك فيه الشيخ الغزالي لأول مرة في عام 1980. وقدَّم محاضرة بعنوان: " ضوء تفكيرنا الديني في مطلع القرن الخامس عشر الهجري"، وداوم على الحضور، والمشاركة إلى آخر ملتقى، انعقد في الجزائر العاصمة في سنة 1990، وكان الشيخ الغزالي يلقي في كل عام محاضرة. ونشير في هذا المقام إلى بعض عناوين هذه المحاضرات: -ضوء تفكيرنا الديني في مطلع القرن الخامس عشر الهجري (1980). -نظرة في الإعجاز البياني القرآني (1981). -لا سنة من غير فقه (1982). -نحو اجتهاد متحرك يشرف على الأحداث (1983). -تدين يكره الحضارة، وحضارة تكره التدين (1984). -التحدي الثقافي وآخر خط للدفاع عن العرب والمسلمين (1985). -تصورنا في الدراسات التاريخية (1986). -التقارب بين المذاهب الإسلامية فريضة (1988). ويشارك الشيخ الغزالي في التعقيبات، ومعظم محاضراته ومداخلاته مطبوعة ضمن إصدارات وزارة الشؤون الدينية. ورأينا مرارا كيف يتنافس المشاركون على الحديث معه، وكيف يتزاحم الطلبة على مجلسه.   محاضرات عامة: كما ألقى الشيخ الغزالي محاضرات عامة في المساجد والمراكز الثقافية. وكانت محاضرته الأولى في قصر الثقافة في العاصمة في 7 أبريل 1986 بعنوان "التاريخ الإسلامي في مساره الطويل". حضرها إلى جانب الطلبة والمثقفين بعض الوزراء. ولقيت صدى كبيراً في الصحافة الجزائرية وبثها التلفاز بثاً مباشراً. وعندما نقارن نص المحاضرة مع ما كتبه في مؤلفه "تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل" نجد نفس الأفكار وتقريباً نفس الألفاظ. بعد أن عرج على المحطات الكبرى للتاريخ الإسلامي، وتوقف عند تخلف المسلمين في العصور الأخيرة، دعا المسلمين إلى الاهتمام بالتاريخ، وحث المؤرخين على إعادة كتابته بأسلوب عصري وشامل بحيث لا تُهمل الشعوب، والدول الإسلامية الواقعة في شرق آسيا وإفريقيا الغربية. وتحدث الغزالي في محاضرات أخرى عن تاريخ الجزائر، وأثنى كثيراً على الإمام عبد الحميد بن باديس رائد الحركة الإصلاحية في الجزائر، والمجاهدة الكبيرة فاطمة نسومر التي قادت المقاومة الشعبية في منطقة القبائل في بداية الاحتلال الفرنسي. وألقى في المركز الثقافي الإسلامي بالعاصمة سلسلة من المحاضرات في التفسير الموضوعي للقرآن والتي كانت مع دروسه الرمضانية قاعدة لكتابه الذي صدر فيما بعد بعنوان "نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم".   في الصحافة الجزائرية: اهتمت الصحافة، ووسائل الإعلام بشخصية الغزالي منذ وصوله إلى الجزائر، وحاورته خلال الخمس السنوات، التي قضاها في الجزائر، كل الصحف الجزائرية على اختلاف توجهاتها السياسية، وقناعاتها الفكرية. وتابعت باهتمام كبير نشاطه الفكري وعمله الدعوي. وكتب في الصحافة الدينية كجريدة "العصر" التي تصدرها وزارة الشؤون الدينية و"مجلة العلوم الإسلامية"، التي تصدرها جامعة الأمير عبد القادر، وجريدة "العقيدة" المستقلة. وقام بعض المفكرين والكتاب الجزائريين بعرض ومناقشة كتبه في الصحافة. وأعادت بعض دور النشر الجزائرية طبع كتبه، بعد أن تنازل عن حقوق التأليف لصالح القارئ الجزائري.   الغزالي والأزمة الجزائرية الراهنة: ما هو موقف الشيخ الغزالي من الأحداث الأليمة التي عرفتها الجزائر في التسعينيات؟ بعد نجاح الاستفتاء الشعبي على الدستور الجديد في فبراير 1989، ظهرت عدة أحزاب سياسية، وأسرع الإسلاميون إلى تأسيس حزب إسلامي. وقد فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالانتخابات البلدية في عام 1990، والانتخابات البرلمانية في سنة 1991. لكن تدخل الجيش في هذه المرة الأخيرة، وأوقف المسار الانتخابي. وقد عبّر الغزالي فيما بعد عن رأيه في هذا الانقلاب بمعارضة صريحة، لأنه يتنافى في نظره مع إرادة الشعب الذي هو صاحب السيادة، والقرار، كما ينص على ذلك الدستور، وقال في ذلك: "تكونت جبهة الإنقاذ وكنت أود أن تُترك إن كانت لها أخطاء تجني مرارة أخطائها. كما جاءت عن طريق التصويت الحر تنسحب من المجتمع بطريق التصويت الحر أيضاً. لكن الذي حدث غير هذا". وهنا يدافع الغزالي عن حق المنتخبين، وليس عن الجبهة الإسلامية، التي يعارض كثيراً من مواقفها، وأسلوب عملها، فالانقلاب العسكري لا يحل –في نظره- المشكلة، بل يعقدها أكثر، لأن الانقلابيين ليس عندهم "ما تنشده أمة من الكمال والحرية". وتعاطف الغزالي مع الجبهة الإسلامية، بعد أن رأى في إيقاف المسار الانتخابي، رفضاً للحل الإسلامي، وتراجعاً واضحاً عن المسيرة التي قطعتها الجزائر في مجال الحريات العامة، واغتصاباً لحقوق المنتخبين، وإهانة للسياسيين بشكل عام، والإسلاميين بصفة خاصة: " إن الجزائريين المسلمين لجأوا إلى الانتخابات، وهي الصورة الوحيدة التي يعرفها العالم الحر للتعبير عن الرأي، فلما وصلوا إلى النتيجة التي كرهها الآخرون، عوملوا أسوأ معاملة. وأنا لا أتصور أن جبهة الإنقاذ مصيبة في كل شيء. ولكنني أرى أن ما ينسب إليها من أخطاء يزول عندما ننظر إلى الطريقة التي يُعامل الإنقاذيون بها". وهذا الموقف، لم يدفعه إلى مساندة العمل المسلح الذي لجأ إليه بعض قادة الجبهة، وأنصارها، وجماعات إسلامية أخرى؛ لأنه يتنافى مع قناعاته الدينية، ومنهجه في الدعوة، وعلى الرغم من ذلك، اتهمه بعض معارضي الحل الإسلامي، بكونه أحد المسؤولين عن ظهور التطرف الديني في الجزائر، وقد استقبل الغزالي هذا الاتهام "باستياء شديد".   الغزالي يودّع الجزائر: ذكر الشيخ الغزالي أسباباً صحية للاستقالة من منصبه الجامعي، ولكن في الحقيقة هناك أسباب أخرى، دفعته لاتخاذ هذا القرار، كاختلافه مع بعض الطلبة الذين رأوا فيه عوناً للحكومة، ومعارضاً للتيار الإسلامي الذي دخل المجال السياسي، وقاموا بإضراب عام عن الدراسة في سنة 1989، احتجاجاً على السير العام للجامعة؛ فترتب عنه خلاف وأزمة ثقة بين الطلبة وإدارة الجامعة الإسلامية. وزار الشيخ الغزالي الشيخ أحمد سحنون عميد الدعاة الجزائريين، وقدَّم آخر درس له قبل مغادرة الجزائر، في مسجد دار الأرقم في الجزائر العاصمة، وهو مسجد حر بني بأموال المتبرعين، ويشرف عليه الشيخ سحنون. وكان الدرس الذي قدَّمه قبل خطبة الجمعة يدور حول الدعاء، فبكى خلاله الغزالي، وبكى معه المصلون، وحين طلب منه الشباب الجزائري أن يقدم لهم نصيحته الأخيرة قبل رحيله من الجزائر، تذكر أول درس سمعه من الإمام حسن البنا وهو شاب صغير، فأوصى الشباب به، وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " اتق الله حيثما كنت، وأتبع السّيئة الحسنة تمحها، وخالق النّاس بخلق حسن". واقترح الغزالي أن يحل مكانه في جامعة الأمير عبد القادر صديقه العزيز الدكتور يوسف القرضاوي. وقد قبل هذا الأخير والحكومة الجزائرية. واشتغل فعلاً الشيخ القرضاوي عاماً في الجزائر، ثم غادرها بعد أن تفاقمت الأوضاع الداخلية للبلاد. ونظمت عدة حفلات لتكريم وتوديع الشيخ الغزالي في قسنطينة، والجزائر العاصمة. وفي حفل تكريمي أقيم بقصر رئاسة الجمهورية، قدم له الرئيس الشاذلي بن جديد باسم الشعب الجزائري وسام الاستحقاق الوطني الأثير في يوم 31 مايو1989، اعترافاً بجهوده التي قدّمها للجزائر، وجامعة الأمير عبد القادر. وقال الرئيس بن جديد حين علّق الوسام على صدر الشيخ: " إن هذه المكافأة تعد تقديراً واحتراماً للجهود التي بذلتها لنشر المعرفة والتعاليم الإسلامية الصحيحة بين أفراد الشعب الجزائري." وأضاف الرئيس الجزائري قائلاً: " إن فهمكم وشرحكم الصحيح للإسلام لم يقنع فقط طلاب جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية فقط وإنما شمل إطارات على مستويات عليا في القيادة الجزائرية". وعاد الشيخ الغزالي إلى الجزائر للمرة الأخيرة في مايو1990 للمشاركة في ملتقى مستقبل الإسلام، وساهم مع مجموعة من المفكرين ( يوسف القرضاوي، توفيق الشاوي، طارق البشري، راشد الغنوشي، محمد فتحي عثمان، أحمد عروة... ) في تأسيس اتحاد الكتاب الإسلاميين ، واتخذوا من العاصمة الجزائرية مقراً له، لكن الظروف المأساوية التي شهدتها الجزائر، بعد وقف المسار الانتخابي في يناير 1991، حالت دون تجسيد هذا المشروع على أرض الواقع. لقد حرص الشيخ الغزالي خلال إقامته في الجزائر على توجيه الرأي الإسلامي نحو الاعتدال والوسطية بعيداً عن التعصب، والتطرف خاصة في الفترة التي سبقت الانفتاح السياسي وظهور التعددية الحزبية؛ فكان الصوت الإسلامي الوحيد الذي سمح له النظام القائم بحرية النشاط الفكري، وفتح له مجالات العمل الدعوي. ومما يؤسف له أن كثيراً من العلمانيين أساؤوا النقل عنه، وقليلاً من الإسلاميين فهموا مواقفه من النظام، الذي لم يكن الغزالي مواليًا له بصورة عمياء، على حساب مبادئه المعروفة، ومصلحة دينه الحنيف.   * المصدر: موقع المكتبة الجزائرية الشاملة
رزق صوتا كله ثقة واطمئنان وهدوء يريح السامع العالم محمد الغزالي كما عرفته وقرأت له   شهادة: معمر حبار*     أولا: معرفتي للشيخ حسب الذاكرة.. من النعم التي يظل يفتخر بها المرء أن وفقه ربه للكتابة عن العظماء، والكتابة عن العالم محمد الغزالي رحمة الله عليه تندرج في سياق استحضار العظماء رضوان الله عليهم جميعا. يعود الرجل لطفولته ويستحضر الأيام الأولى من الملتقى الفكر الإسلامي المقام بالجزائر حين كان الشيخ محمد الغزالي يهز القاعة بصوته الجهوري ويرد ويضيف.   مشاكل الأمة أعظم.. وأتذكر جيدا حين ردّ بحزم وقوة على الأستاذ التونسي القادم من الولايات المتحدة الأمريكية يومها حين تطرق لعدد 19 باعتباره معجزة من معجزات القرآن الكريم، فأعاب عليه الشيخ الغزالي ذلك قائلا أن مشاكل الأمة أعظم وأجل من أن تشغلها أرقام. مع العلم كانت المجتمعات الإسلامية يومها معجبة إلى حد الافتتنان بما ذكر صاحب رقم 19 باستثناء الشيخ الغزالي الذي عارضه بشدة، وأكدت الأيام ما ذهب إليه الشيخ حيث سلك صاحب رقم 19 مسلكا يتنافى مع القرآن الكريم، وليس هذا مجال التطرق للموضوع. مازال الطفل يتذكر حنينه وهو يعانق المذياع ويتابع محاضرات الشيخ محمد الغزالي عبر الأثير. فقد رزق صوتا كله ثقة واطمئنان وهدوء يريح السامع، وتلك طبيعة المتمكنين العارفين المتيقنين مما يملكون من علم، وفقه، وأدب، وأخلاق. وكنت أتابع باهتمام بالغ حصة "حديث الإثنين" التي يقدمها كل يوم الإثنين والتي كان يتابعها الجزائريون وينتظرونها بشغف بما فيهم الذين لا يتقنون اللغة العربية الفصحى، لما امتاز به الشيخ من طريقة عرض صافية نقية تعتمد على الفطرة السليمة في فهم الدين والمجتمع. وكانت كل دروسه حول هموم الأمة والمشاكل الثانوية التي شغلت بها الأمة عن ما خلقت له من مهام جليلة عظيمة. وقد جمعت أحاديثه في كتاب وأكرمني ربي أن قرأتها فيما بعد في كتاب: "حديث الإثنين"، للشيخ محمد الغزالي، رحمة الله عليه، إعداد الأستاذ: عبد القادر نور، الطبعة الأولى 2011، دار الوعي، الجزائر، من 259 صفحة، وعلّقت عليها في مقال أول بعنوان " مع الشيخ محمد الغزالي في حديث الاثنين"، ومقال ثاني بعنوان "حكم الشيخ محمد الغزالي من خلال حديث الاثنين"، خلال شهري فيفري وماي 2013 لمن أراد الرجوع إليها واستحضار الأيام الخالدة والمنافع التي لا تنقطع.   علم ويقين حضرت له محاضرة وأنا طالب في الجامعة سنوات 1986-1990 بالعاصمة ولأول مرة أراه رأي العين وأنا الذي كنت من قبل أراه عبر المشهاد الجزائري يومها وأسمعه من وراء الأثير. واقتربت من المنصة بعد عناء شديد بسبب العدد الضخم جدا من الشباب الجزائري المتشوق لرؤية وسماع علماء الأمة. كان إلى القصر أقرب وما زال الطالب يحفظ عنه قوله: ورثت عن أبي قصر القامة لكني عرفت ربي عن علم ويقين. وكانت عباءته أقل جودة ولا تنم عن بذخ ولا ثراء مقارنة بالعلماء الأثرياء من دول عربية قدموا الجزائر ورأيتهم يومها رأي العين. وتخونني الان الذاكرة حول حضوري لدرس الجمعة بمسجد الأرقم بالعاصمة في نفس السنوات بحضور الشيخ أحمد سحنون رحمة الله عليهما. أتذكر وأنا طالب في السنة الرابعة من الجامعة، آخر حوار أجرته يومها يومية "المساء" الجزائرية وهو يودع الجزائر، ومما علق بالذاكرة وأفتخر بكوني أردده الآن قول الصحفي.. حين دخلت بيت الشيخ محمد الغزالي وجدته بملابس النوم فطلب مني أن لا ألتقط صورة له وهو بملابس النوم وينتظره حتى يغيّر ملابسه، وامتثل الصحفي الجزائري لنصيحة الشيخ والتقط له صورة بعباءته العادية التي عرف بها، وأضيفت الخصلة الحميدة لخصاله الكبيرة التي عرفت عنه من قبل. ثانيا: الكتب التي أتذكر أني قرأتها.. قرأت له الكثير من الكتب وما زالت مكتبتي تزخر بكتبه ومن الكتب التي علقت بالذاكرة.. كتاب "فقه السيرة" لما امتاز به من بساطة في ذكر الأحداث وربطها بالواقع وكأنك ترى السيرة النبوية رأي العين. وكتاب "فن الذكر والدعاء" الذي يربط بين الذكر وما يحيط به، فالقارىء يعيش الذكر والدعاء قبل أن يتلفظه، فقد استطاع أن يجعل من الذكر حياة يعيشها المرء طيلة اليوم وليس ترديد كلمات لا يعرف المرء معناها، ويعترف القارىء المتتبع أن طريقة عرض الشيخ محمد الغزالي لكتاب "فن الذكر والدعاء" لم يقرأها عند غيره وتلك ميزة تميّز بها الشيخ. وكتاب "جدد حياتك" الذي حاول عبره الاستفادة من الحضارة الغربية بما يتناسب مع قيم وعادات المجتمع الاسلامي، وكان في كل مرة ينقل عن الأستاذ الأمريكي ديل كارنيجي قوله في مسألة ثم يعقب قائلا لكن ديني يأمرني بكذا وكذا ويفصل الأمر نهائيا بما تنص عليه الشريعة الإسلامية وفهمه السليم للدين. وكتابه "قذائف الحق" الذي يتحدث فيه عن الخطط الغربية وبعض حكام العرب في هدم المجتمعات الإسلامية، وما حذّر منه الشيخ في كتابه ما زال معمولا به وإن كان الأسلوب تغيّر بعض الشيء، وفيما أتذكر فقد ذكر أنه ألف الكتاب وهو في الطائرة. وكتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث"، وهو يعد من أعظم الكتب التي ألفها الشيخ لأنه أكد على ما ذكره في سنوات سابقة وهو يعتمد على طول تجربته ورسوخه في العلم، ويعتبر الكتاب قاموسا في الفهم الصحيح للفقه والحديث وكيفية تطبيقه على المجتمع خاصة وأنه إعتمد على أقوال الأئمة الكبار وقارن بين المدارس وأضاف لها علمه وتجربته التي أنارت وأشعت. وقرأت له أول كتاب كتبه سنة 1947 بعنوان "الإسلام والأوضاع الاقتصادية"، الذي تحدث فيه يومها عن ما يسىء للاقتصاد وما يرفعه، وأن الاستدمار الداخلي يمهد للاستدمار الخارجي، وقيمة العقل والدين".   حزن على التفريط وقرأت له كتاب "خلق المسلم"، وتطرق فيه "لأركان الإسلام ومبادئ الأخلاق، ودائرة الأخلاق تشمل الجميع، ثم لعيّنات رفيعة من الأخلاق كالحياء، والإخاء، والاتحاد، والعزة، والرحمة". وكتاب "عقيدة المسلم"، الذي عرض فيه ما يجب على المسلم معرفته في مجال العقيدة، والابتعاد عن بعض ما يسيء لعقيدة المسلم، فكان قمة في بساطة العرض وتقديم النقي من الأخلاق والعقيدة. وكتابه "معركة المصحف في العالم الإسلامي" يتعرض فيه للهجمات التي يتعرض لها المصحف الشريف ويحذر منها بحرقة ودموع. وقرأت له كتاب "ظلام من الغرب" ويتحدث فيه عن الثورة الجزائية ويدافع عنها بشدة ويلوم العرب والمسلمين عن تقاعسهم في نصرة الجزائر. وكتاب "الحق المرّ" وتحدث فيه عن قضايا عامة تشغل الأمة، كقوله: "خطورة الخلافات الفرعية، ولماذا نلوم أعداءنا ولا نلوم أنفسنا؟، وتراثنا وكيف نستفيد منه؟، والويل لأمة تفقد ذاكرتها". وكتاب "مشكلات في طريق الحياة الإسلامية" ، وتحدث عبره عن "الثقافة والتربية والأخلاق، والحاجة إلى إحياء الثقافة الذاتية، والخطورة التي تلاحق اللغة العربية، والمتاجرة بالخلاف تجارة عظمى، والتعاون في المتفق عليه، والعاملين بالإسلام لاينقصهم الحماس لكن ينقصهم عمق التجربة وحسن الفقه"، واشتريت الكتاب النفيس يومها بـ 7.98 دج. وكتاب "كفاح دين"، وتحدث فيه عن "تحقير الإسلام في بلادنا، والمعنى الحقيقي لانتشار الإسلام، والموظف النموذجي، وتطرق للأسرة من خلال الأحوال الشخصية ومما يحاك ضدها". وكتاب "كيف نفهم الإسلام"، وتطرق إلى بعض المساوىء التي ألحقت عمدا بالتعليم الديني، وأن من جهل الدنيا سقط فيها، وأن العقيدة صلة إلهية ومنهج إنساني، ونادى بضرورة الجماعة الإسلامية، والتجديد والاجتهاد. وكتاب "الدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر" بمناسبة مرور 15 قرنا من العام الهجري. وكتاب "الإسلام والإستبداد السياسي"، يتحدث فيه عن مساوىء الحكم المطلق، وقيمة الحرية، والتناصر في وجه الظلم. وكتاب "ركائز الإيمان" ويركز فيه على "أن الإيمان روح وجسد، ودنيا وآخرة، وأن الإيمان ليس إيمانا بالوهم ولا إيذانا بالفوضى، وأن ثقافتنا التقليدية تحتاج إلى مراجعة". وكتاب "هموم داعية" وتحدث فيه على أن "الدعوة علم وفن ورسالة وفهم"، وانه لا سنة من غير فقه، ثم تطرق كعادته لنماذج سيئة في فهم الإسلام أدت إلى تدهور الأمة. وكتاب "كيف نتعامل مع القرآن"، تحدث فيه عن "حسن استثمار مرحلة الطفولة للحفظ وضرورة استمرار التواتر في المشافهة، والقرآن فتح النوافذ أمام النظر العقلي، وتدبر القرآن عاصم من السقوط الحضاري". وكتابه "الطريق من هنا"، يتطرق فيه لقضية الأخلاق عندنا، وأن هناك خلائق مشبوهة انتشرت بين الناس دون مبالاة، والحكم الإسلامي لا ينطلق من فراغ، والأبعاد الإنسانية لخطاب الرسول في حجة الوداع". وكتاب "علل وأدوية"، يتحدث فيه كعادته عن الأمراض الخلقية والسياسية التي أصابت المجتمعات الإسلامية وكيفية الخروج منها بفهم صادق وفقه عميق. ومقدمته وتحقيقه لكتاب "صيد الخاطر" للحافظ بن الجوزي، وتحدث فيه بحزن شديد فيما أتذكر عن تفريط أبناء الأمة الإسلامية في تراث عميق ثري ضخم كابن الجوزي، ويوصي بإعادة إحياء التراث بما يرفع الأمة ويحميها ويزيّنها. ويعترف القارئ المتتبع أنه الشيخ محمد الغزالي هو الذي دفعه لقراءة "صيد الخاطر" بالذات وما بعدها من كتب للحافظ ابن الجوزي، رحمة الله عليهم جميعا.   * المصدر: موقع "صوت العراق" ===   أضواء ومحطات من حياة محمد الغزالي   أحمد. س عُرف بأسلوبه الأدبي الرصين في الكتابة، واشتهر بلقب "أديب الدعوة". وُلِد الشيخ محمد الغزالي في قرية "نِكْلَا العنب" بمحافظة البحيرة في 22 سبتمبر سنة 1917م؛ حيث حفظ القرآن الكريم في كُتَّاب القرية، وأكمل حفظه ولم يتم عشر سنوات من عمره. سمي الشيخ "محمد الغزالي" بهذا الاسم رغبة من والده بالتيمن بالإمام الغزالي، وأرجع البعض التسمية إلى أن والده رأى في منامه الشيخ حامد الغزالي، وقال له إنه "سينجب ولدًا، ونصحه أن يسميه على اسمه (الغزالي)؛ فما كان من الأب إلا أن عمل بما رآه في منامه. التحق الغزالي بمعهد الإسكندرية الديني الابتدائي؛ لتكون أولى علاقاته بالحركات الإسلامية؛ حيث ظل بالمعهد حتى حصل منه على شهادة الكفاءة ثم الشهادة الثانوية الأزهرية، ثم انتقل بعد ذلك إلى القاهرة سنة (1356 هـ الموافق 1937م) والتحق بكلية أصول الدين بالأزهر. حصل الغزالي على درجة العالمية وعمره 26 عامًا، كذلك عمل إمامًا وخطيبًا في مسجد "العتبة الخضراء"، ثم تدرّج في الوظائف ليصبح آخر منصب تولاه بها مديرًا للتدريب فمديرًا للدعوة والإرشاد.   تسميته "أديب الدعوة" كتب في إحدى المرات الشيخ الغزالي مقالًا في مجلة الإخوان باسم "الإخوان والأحزاب"، طرب به مؤسس الجماعة وأرسل إليه رسالة شكر، ولقبه وقتها "أديب الدعوة".   علاقته بالبنا تحدث الغزالي عن علاقته بجماعة الإخوان المسلمين ومؤسسها الإمام حسن البنا وقال: "كان ذلك أثناء دراستي الثانوية في المعهد بالإسكندرية، وكان من عادتي لزوم مسجد عبدالرحمن بن هرمز؛ حيث أقوم بمذاكرة دروسي. وذات مساء، نهض شاب لا أعرفه يلقي على الناس موعظة قصيرة شرحًا للحديث الشريف: (اتق الله حيثما كنت... وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) وكان حديثًا مؤثرًا يصل إلى القلب. ومنذ تلك الساعة توثقت علاقتي به، واستمر عملي في ميدان الكفاح الإسلامي مع هذا الرجل العظيم إلى أن استشهد عام 1949م". انفصل الغزالي عن الجماعة في عام 1952؛ إلا أنه ظل محتفظًا بعلاقات الود بينه وبين أفرادها.   اعتقاله كان للغزالي نصيب من العيش داخل المعتقلات، فقد اعتقل مرتان؛ إحدهما عقب مقتل "البنا" ضمن قيادات كثيرة عام 1949،  وقضى في معتقل الطّور عامًا واحدًا، ومن ثم تكرر اعتقاله عام 1965 ليسجن هذه المرة في سجن طره. ومن داخل "الطور" ألّف كتابه "الإسلام والاستبداد السياسي"، الذي كتب فيه عن حال من كبلت آراؤهم، قائلًا إنه "من فضل الله علينا أن رفضنا السير في موكب العبيد، وأننا شننّا حربًا ضارية على الفساد الملكي وحواشيه وذيوله وظاهره وباطنه، وجرّأنا العامة على النيل منه والتهجم عليه. ولئن كانت ثورة الجيش قد أفلحت في اكتساح هذه المساخر فإن ذلك بتوفيق الله، ثم بما نشرنا في طول البلاد وعرضها من أفكار حرة ضد الاستبداد والفوضى".   كتاباته تميزت كتاباته بالأسلوب الأدبي؛ إلا أن تعرضها للسياسة كان يثير الخلافات والمشاكل له بقدر كبير، فقد كتب مقالات عن الظلم الذي يتعرض إليه الفلاحون والنظام الرأسمالي الزراعي الذي كان مسيطرًا آنذاك. وعن الاستعمار الإنجليزي لمصر في ذلك الوقت، وشعوب العالم الثالث عمومًا، كان كتابه "الاستعمار.. أحقاد وأطماع". وعندما تزايد المد الاشتراكي في العالم الإسلامي جاءت دراسات الشيخ محمد الغزالي لتؤكد هوية الأمة، وأنَّ خَلَاصها ليس إلَّا في الإسلام؛ مثل كتابه "الإسلام والمناهج الاشتراكية". وأصدر الشيخ محمد الغزالي كتابه "الإسلام في مواجهة الزحف الأحمر" ردًّا على الترويج للشيوعية في مصر والعالم الإسلامي. وهكذا كان الغزالي يدخل عش الدبابير دون خوف أو وجل؛ ليواجه كل الحركات التي تعبث بالفكر الإسلامي، فكان لذلك مردود قوي في اتجاهه من ناحية آراء الأحزاب والحكام.   وفاته توفي في التاسع من مارس 1996 أثناء وجوده بالسعودية ومشاركته في مؤتمر حول الإسلام وتحديات العصر، الذي نظمه الحرس الوطني في فعالياته الثقافية السنوية المعروفة بـ"المهرجان الوطني للتراث والثقافةـ الجنادرية". كانت أمنيته قبل وفاته أن يُدفن بالبقيع؛ وبالفعل تحققت أمنيته ودفن هناك.


أخر تحديث : 2016 | تصميم : lai_nassim@hotmail.fr

الرئيسية - من نحن - اتصل بنا